من الحانات إلى الملاعب الممتلئة: جنون رمي السهام بلا حدود

بدأت قصة رمي السهام في الحانات البريطانية الصغيرة، حيث كان يُعتبر وسيلة للتسلية بعد العمل. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا النشاط الشعبي إلى رياضة احترافية ذات بطولات وأندية ونجوم. اليوم يعيش عالم رمي السهام “العصر الذهبي” مع ملايين المشاهدين المتابعين للبطولة العالمية المتلفزة.
في الأسبوع الماضي فقط، حصدت بطولة العالم لرمي السهام في المملكة المتحدة نسب مشاهدة تجاوزت تلك الخاصة بمباراة السوبر بول أو سباقات الفورمولا 1. قبل ثلاثة عقود، كانت البطولة تُقام داخل حانة بلندن، أما الآن فهي تملأ قاعات ضخمة بآلاف الحضور الذين يدفعون مبالغ طائلة لحضور الحدث، وسط تنافس حاد بين القنوات للحصول على حقوق البث.
صعود “لوك ليتلر” إلى القمة
في قلب هذا النجاح يقف الشاب البريطاني لوك ليتلر، البالغ من العمر ثمانية عشر عامًا، والذي أصبح أصغر بطل للعالم مرتين في تاريخ اللعبة. هذا الشاب القادم من مدينة وورينغتون والمشجع لنادي مانشستر يونايتد، يملك عددًا من المتابعين على وسائل التواصل يفوق بعض نجوم النادي نفسه. وفي عام 2024، تجاوزت عمليات البحث عن اسمه على “غوغل” عمليات البحث عن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
لقبه الجماهيري “لوك ذا نيوك” أي “القنبلة الذرية”، وهو يختصر شخصيته الجريئة ومسيرته الصاعدة. بدأ ليتلر ممارسة اللعبة بتشجيع من والده الذي كان مولعًا برمي السهام، حتى أصبح الابن يقضي ست أو سبع ساعات يوميًا في التدريب أثناء فترة الإغلاق بسبب الجائحة.
من الهزيمة إلى الأسطورة

بعد خسارته في نهائي 2024 أمام مواطنه لوك همفريز، عاد أقوى وانتصر في العامين التاليين على الهولنديين جيان فان فين ومايكل فان جيروين في نهائيات مثيرة بقاعة “ألكسندرا بالاس”. تجاوز عدد المشاهدين في نهائي هذا العام 2.5 مليون شخص داخل المملكة المتحدة وحدها.
الحفل الحي للبطولة أشبه بمهرجان احتفالي: الحضور يجلسون حول موائد مليئة بالطعام والمشروبات، والكثيرون يرتدون أزياء تنكرية تضيف أجواء احتفالية فريدة. أسعار المقاعد الأمامية تبدأ من 500 يورو، وغالبًا ما يحضر نجوم كرة القدم هذا الحدث. وفي هذا العام، جاء 20% من الجمهور من خارج بريطانيا، معظمهم من الولايات المتحدة.
“غلاستنبري” الرياضة الحديثة
يقول خبير التسويق مارك بوركوفسكي، الذي تعاون سابقًا مع فرق شهيرة مثل “ليد زبلين”، إن البطولة تحولت إلى “غلاستنبري الرياضة”، بمزيجها الغريب من التمثيل التنكري والحماس الرياضي الحقيقي. فالمنظمون نجحوا في جعل الجمهور جزءًا من الحدث، يصيح ويرقص ويرتدي الأزياء، مما أضفى روحاً من الأصالة في زمن الإعلام الرقمي.
تقام البطولة حاليًا في صالة “ألكسندرا بالاس” التي تتسع لثلاثة آلاف متفرج، وستنتقل العام القادم إلى القاعة الكبرى التي تتسع لأكثر من خمسة آلاف مشجع.
الجوائز تزداد ثراءً
حصل ليتلر على 1.2 مليون يورو هذا العام بعد تتويجه باللقب. بعد فوزه في نصف النهائي، علّق قائلاً: “من يشجع أو يستهزئ قد دفع ثمن تذكرته، وهذا يعني أنه يساهم في جائزتي!”. أصبحت النهائيات الثلاث الأخيرة التي شارك فيها أكثر الأحداث الرياضية مشاهدة في المملكة المتحدة بعد مباريات كرة القدم.
هذه الشعبية دفعت قنوات مثل “سكاي سبورتس” إلى زيادة الاستثمار في بث البطولة. ففي عام 2000 كان الفائز بالكاد يحصل على 31 ألف جنيه إسترليني، واليوم تجاوزت الجائزة الكبرى حاجز المليون.
لعبة بسيطة بقوانين دقيقة
تُلعب البطولات وفق نظام 501 نقطة، حيث يبدأ كل لاعب من 501 وعليه أن يصفر رصيده عبر رميات ثلاثية متتالية، والفائز في ثلاث جولات يربح المباراة (وفي النهائيات حتى سبع جولات). اللاعبون المحترفون يمكنهم بلوغ الصفر خلال تسع رميات فقط، وهو ما يُعد الإنجاز المثالي.
| المرحلة | الفوز المطلوب | أفضل عدد مجموعات |
|---|---|---|
| الأدوار الأولى | 3 مجموعات | الأفضل من 5 |
| نصف النهائي | 4 مجموعات | الأفضل من 7 |
| النهائي | 7 مجموعات | الأفضل من 13 |
بين التاريخ والطموح الجديد
تاريخ اللعبة يشهد أسماء لامعة أبرزها فيل تايلور الذي احتفظ بالمركز الأول في التصنيف العالمي لمدة 3,343 يومًا، وحقق اللقب العالمي 16 مرة. واليوم يسعى ليتلر لتحطيم رقم تايلور قائلاً: “هدفي أن أبقى رقم واحد لأطول فترة ممكنة”. وهكذا، من حانات لندن القديمة إلى أكبر القاعات العالمية، يواصل رمي السهام كتابة فصول جديدة من الشعبية والثروة.