رياضات أخرى

لم يكن لون كرة التنس دائمًا أصفر: كيف ولماذا تغيّر؟

اعتدنا جميعًا اليوم على رؤية كرات التنس باللون الأصفر الفاقع، حتى يبدو الأمر وكأن هذا اللون كان حاضرًا منذ بداية اللعبة. لكن تاريخ كرة التنس يروي قصة مختلفة تمامًا، فقد بقيت الكرة لعقود طويلة بلونين فقط: الأبيض أو الأسود، قبل أن تفرض شاشات التلفزيون عصراً جديدًا غيّر شكل اللعبة بصريًا إلى الأبد.

البدايات: كرة بيضاء على ملاعب خضراء

في العقود السابقة، كان اللون الأبيض هو الأكثر شيوعًا لكرات التنس، مع وجود كرات سوداء في بعض البيئات أو الملاعب الخاصة. ومع انتشار اللعبة في ستينيات القرن الماضي، بقيت الكرة بيضاء حتى مطلع السبعينيات تقريبًا، رغم أن هذا اللون لم يكن الأنسب لمتابعة الكرات بسرعة عالية على شاشات التلفزيون.

في عام 1967، كان السير ديفيد أتينبورو يشغل منصب مسؤول في قناة «بي بي سي 2» البريطانية، وكان يخطط لأن تصبح القناة الأولى في أوروبا التي تبث الصورة التلفزيونية الملونة بشكل كامل.

هنا دخلت بطولة ويمبلدون التاريخ من زاوية غير متوقعة، إذ رأت القناة أن بث مباريات التنس الشهيرة بصيغة ملونة سيوفّر تجربة بصرية جديدة ومثيرة للجمهور.

لكن مع بدء البث الملوّن ظهرت مشكلة عملية: الكرة البيضاء كانت تندمج بصريًا مع خطوط الملعب البيضاء ومع خلفية الملاعب العشبية أو الصلبة في اللقطات التلفزيونية، ما جعل من الصعب على المشاهدين تعقب مسار الكرة، خصوصًا عندما تقترب من الخطوط أو تسير بسرعة عالية.

يمكن تلخيص مشكلة الكرة البيضاء في ثلاث نقاط رئيسية:

  • اندماج اللون الأبيض مع خطوط الملعب.
  • صعوبة متابعة الكرة بسرعة عبر شاشة التلفزيون.
  • حاجة القنوات التلفزيونية لصورة أوضح وأكثر جاذبية للمشاهد.

الإصلاح: ولادة اللون الأصفر «البصري»

أثارت تجربة البث الملوّن وما رافقها من صعوبات انتباه الاتحاد الدولي للتنس (ITF)، خاصة مع الانتشار السريع للتلفزيونات الملوّنة في العالم.

أُجريت دراسات وتجارب لقياس مدى وضوح الكرة بالنسبة للمشاهِد على الشاشة، فتبيّن أن اللون الأصفر هو الأكثر وضوحًا وسهولة في التمييز مقارنة باللون الأبيض.

في عام 1972 قرر الاتحاد الدولي اعتماد لون جديد بشكل رسمي لكرات التنس، وتمت تسميته في اللوائح بـ«الأصفر البصري» أو «الاصفر الفلوري»، ليعكس الهدف منه: أن يكون واضحًا ومميزًا قدر الإمكان أمام الكاميرات.

هذا القرار لم يكن مجرد تعديل تجميلي، بل خطوة مرتبطة مباشرة بزيادة جاذبية اللعبة تلفزيونيًا، وبالتالي زيادة عائداتها من حقوق البث والإعلانات.

منذ ذلك الوقت:

  • أصبح اللون الأصفر معيارًا عالميًا للمباريات الرسمية.
  • تحسّن وضوح الكرة للمشاهد على التلفزيون.
  • ترسخ ارتباط التنس في ذهن الجمهور بالكرة الصفراء بدل البيضاء.

ويمبلدون: آخر قلاع التمسك بالتقاليد

المفارقة التاريخية أن بطولة ويمبلدون، التي ساهمت بشكل غير مباشر في طرح المشكلة، كانت آخر من استجاب للحل. فبينما اعتمدت معظم البطولات الكبرى اللون الأصفر في السبعينيات، استمر ويمبلدون في استخدام الكرة البيضاء وفاءً لتقاليده المحافظة.

ظلّت البطولة الإنجليزية لسنوات طويلة متمسكة باللون الأبيض، إلى أن جاء عام 1986، حين قررت إدارة ويمبلدون أخيرًا الانتقال إلى اللون الأصفر، بعدما أصبح واقعًا عالميًا لا يمكن تجاهله.

في ذلك الوقت كانت البطولات في شتى أنحاء العالم قد سبقتها إلى هذا التغيير، وبات ويمبلدون بمثابة «آخر حصن» للكرة البيضاء قبل أن يسقط أمام منطق الصورة التلفزيونية الحديثة.

يمكن الإشارة إلى خط زمني مبسط لتطور اللون:

  • قبل 1970: كرات بيضاء أو سوداء.
  • 1972: الاتحاد الدولي يعتمد اللون الأصفر رسميًا.
  • 1986: ويمبلدون يتحول من الكرة البيضاء إلى الصفراء.

الحنين إلى الكرة البيضاء: من الاستخدام إلى «التراث»

بعد تعميم اللون الأصفر في المنافسات الرسمية، لم تختفِ الكرة البيضاء بالكامل من الأسواق. بعض الشركات الكبرى في صناعة كرات التنس، مثل Penn وWilson، واصلت إنتاج كرات بيضاء لكن بكميات محدودة ولأغراض خاصة، بعيدًا عن الملاعب الاحترافية الكبرى.

في عام 1991 طرحت شركة Penn تشكيلة جديدة من الكرات البيضاء، لكنها لم تُسوَّق كبديل عملي للكرة الصفراء، بل كمنتج يستهدف:

  • هواة التنس الذين يحنّون إلى شكل اللعبة في الماضي.
  • هواة جمع المقتنيات الرياضية القديمة.
  • محبي «الطابع الكلاسيكي» أو «الريترو» في الأدوات الرياضية.

في تلك الفترة، لم تتجاوز حصة الكرات البيضاء نحو 7% من السوق، مقابل هيمنة شبه كاملة للكرات الصفراء المعتمدة في البطولات.

اليوم، يشبه حضور الكرة البيضاء في عالم التنس حضور الأسطوانات الفينيلية في عالم الموسيقى: منتج ذو طابع قديم، جميل ومميز بصريًا، يحتفظ بجاذبية لدى فئة صغيرة من عشاق التراث، لكنه خارج الاستخدام الواسع في الحياة اليومية أو في أعلى مستويات المنافسة.

يمكن تشبيه وضع الكرة البيضاء حاليًا بالآتي:

  • منتج ذو طابع كلاسيكي أكثر من كونه عمليًا.
  • قريب من مفهوم القطع «الجامعية» لهواة المقتنيات.
  • رمز لحقبة من التنس أبطأ إيقاعًا وأقل حداثة في المعدات.

هكذا أصبح اللون الأصفر جزءًا لا يتجزأ من هوية التنس الحديثة، ليس بقرار جمالي فحسب، بل نتيجة مباشرة لتحالف الرياضة مع التلفزيون والتقنيات البصرية التي أعادت تشكيل طريقة مشاهدة الجمهور للعبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى