رياضات أخرى

تاريخ سباقات الركض فوق الطويل

سباقات الركض فوق الطويل، أو ما يُعرف بالإلترا مارathon، هي مسابقات مشي وركض تتجاوز بكثير مسافة المارathon القياسية البالغة 42.195 كيلومترًا، وغالباً ما تُسمى سباقات الإلترا مسافة. تاريخ هذه الرياضة أكثر تعقيداً وأقدم بكثير مما يتخيله الكثيرون، إذ يمتد جذوره إلى آلاف السنين.

البدايات الأولى

يمكن تتبع تاريخ سباقات الركض فوق الطويل إلى آلاف السنين في قارة أمريكا الشمالية، حيث كان الجري والمشي ليس مجرد رياضة أو اختبار للتحمل، بل وسيلة أساسية للتنقل من مكان إلى آخر. إذا احتاج أحدهم نقل طعام عاجل، أو إيصال رسالة إلى قرية مجاورة، أو الهروب من اللصوص في غابات ميزوأمريكا، كان الركض الدؤوب لمسافات طويلة الخيار الأمثل. مثال حي على ذلك يظهر في فيلم “Apocalypto” لمل غيبسون، حيث يركض أفراد قبيلة المايا في الغابات هرباً من عصابة أعداء في رحلة ملحمية.

القدرة الفطرية على الركض الطويل

لكن الركض لمسافات طويلة يعود إلى ما هو أقدم: فقد تكيف الإنسان بيولوجياً مع هذه القدرة، إذ ساعدت أسلافنا على البقاء. قبل نحو 15 ألف عام، كان البشر أفضل الركاض لمسافات طويلة، وتحملهم للإرهاق والضغط الجسدي كان يعني… وجبة على المائدة مباشرة. لم يكن الإنسان قوياً مثل الماموث أو سريعاً مثل الأنتيلوب، لكنه يتفوق عليهما في المسافات الطويلة: يتعب الحيوان سريعاً وينهار، بينما يحافظ أجدادنا على الإيقاع ويصلون إلى الفريسة بطاقة كافية للهجوم، مما يؤمن لهم الطعام. هذه القدرة جزء أساسي من تاريخ الإنسان وتطوره، وأحد المهارات التي أوصلتنا إلى اليوم.

رواد الركض الطويل

في القرن التاسع عشر، برز الركض لمسافات طويلة في عناوين الصحف وأصبح ظاهرة نجومية حقيقية: كانت مغامرات هؤلاء الركاض تشعل حماس الجماهير في الملاعب، ويكسبون الشهرة والحب الشعبي. كانوا يُقدمون للجمهور كمغامرين يتحدون حدود الطبيعة بجرأة استثنائية. مثال سينمائي آخر؟ شاهدوا فيلم “Sahara” بطولة فيغو مورتنسن، الذي يركز على ركوب الخيل الدؤوب رغم ذلك يعكس شعبية رياضات التحمل في ذلك العصر وأهميتها.

“المشاة”

من أبرز ركاض تلك الحقبة إدوارد بايسون ويستون، الذي لُقّب بـ”المشاة”. ادعى ويستون الوصول من بوسطن إلى واشنطن مشياً في 10 أيام ليحضر تنصيب أبراهام لينكولن، لكنه تأخر نصف يوم. رغم ذلك، أعجب الرئيس الجديد به لدرجة أنه عرض عليه المال للعودة إلى بوسطن، لكن ويستون رفض بلطف… وقرر العودة مشياً مرة أخرى! أصبح هذا الرجل رائداً في تحويل الركض فوق الطويل إلى مهنة، حيث طور علامة تجارية شخصية في 1867: بنطلون أسود من الصوف، حزام قماش أزرق، قفازات، وصندال حريري أبيض فاخر – كلها علامات جعلته معروفاً فوراً لمعجبيه عبر البلاد.

لم يتوقف في شيخوخته؛ في الـ72 من عمره، خطط للذهاب مشياً من سانتا مونيكا إلى نيويورك في 90 يوماً، لكنه فاجأ الجميع بإكماله في 76 يوماً فقط. أشخاص مثل إدوارد بايسون ويستون هم الرواد الحقيقيون الذين شكلوا الركض فوق الطويل كرياضة، مما مهد لانتشار الإلترا مارathonات اللاحقة في أماكن غريبة مثل الغابات أو أنهار القطب الشمالي.

أولى الفعاليات الإلترا

في أوائل العشرينيات من القرن العشرين، اشتهر سباق Comrades Marathon في جنوب أفريقيا، حيث شارك نحو 34 راصداً في النسخة الأولى، بينما يجتمع اليوم عشرات الآلاف من العالم للاحتفاء بهذا الحدث التاريخي. تطورت السباقات تدريجياً إلى رياضة منظمة، وبلغت ذروة شعبيتها بين 1920-1950، حيث أصبحت أحداثاً وطنية كبرى تجذب تغطية إعلامية واسعة.

رغم شعبيتها، لم تكن معظم سباقات الركض فوق الطويل رسمية؛ على سبيل المثال، حصل سباق لندن-برايتون على الاعتراف الرسمي في 1953 بعد وجوده لنحو 50 عاماً على الأقل. كان كسر الرقord أو الفوز في سباق يُعتبر فخراً وطنياً يؤثر في الشعب. مع الوقت، خسرت السباقات الإعلام الكبير الذي تحظى به كرة القدم أو كرة السلة أو الرغبي، لكنها نمت كرياضة نقية صادقة من القلب.

اليوم يُنظر إلى الركض فوق الطويل كأحد رموز رياضات التحمل العالمية، رغم أنه ليس ضمن الألعاب الأولمبية. ويزداد جاذبيته للاحترافيين والهاويين على حد سواء. هل تريد إشارة إعلامية عالية المستوى عن الإلترا؟ لا تفوتوا فيلم “Forrest Gump” بطولة توم هانكس، الذي حقق نجاحاً عالمياً: رغم أنه يروي قصة خيالية، إلا أن شخصية فورست أثارت حركة حقيقية حين انضم آلاف الأمريكيين إليه في الركض.

الإلترا اليوم

اليوم لا نحتاج الركض لطرد فريسة للطعام، لكن قدرة الركض الطويل ما زالت فينا، ونطورها كرياضة. تحولت الإلترا مارathonات إلى رياضة عالمية تجذب الناس من كل مكان، ويزداد انتشارها بسرعة. كما أنها طريقة فريدة لاستكشاف العالم والاستمتاع بالهواء الطلق: يسافر الكثير من الركاض البعيدين بحثاً عن تجربة الإلترا كتجسيد جميل حديث لغريزتنا القديمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى